الشيخ محمد رشيد رضا
349
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو غير سبب فساد في الأرض ، بسلب الأمن ، والخروج على أئمة العدل ، وإهلاك الحرث والنسل ، كما تفعله العصابات المسلحة لقتل الأنفس ونهب الأموال ، أو إفساد الأمر على ذي السلطان المقيم لحدود اللّه . وهو ما سيأتي حكمه قريبا في قوله تعالى ( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) الآية فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً لان الواحد يمثل النوع في جملته ، فمن استحل دمه بغير حق ، يستحل دم كل واحد كذلك لأنه مثله ، فتكون نفسه ضارية بالبغي ، لاوازع لها من ذاتها ولا من الدين . وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أي ومن كان سببا لحياة نفس واحدة بانقاذها من موت كانت مشرفة عليه ، فكأنما أحيا الناس جميعا ، لان الباعث له على انقاذ الواحدة - وهو الرحمة والشفقة ، ومعرفة قيمة الحياة الانسانية واحترامها ، والوقوف عند حدود الشريعة في حقوقها ، - تندغم فيه جميع حقوق الناس عليه ، فهو دليل على أنه إذا استطاع أن ينقذهم كلهم من هلكة يراهم مشرفين على الوقوع فيها لايني في ذلك ولا يدخر وسعا . ومن كان كذلك لا يقصر في حق من حقوق البشر عليه . ويلزم من ذلك أنه لو كان جميع الناس أو أكثرهم مثل ذلك الذي قتل نفسا واحدة بغير حق ، لكانوا عرضة للهلاك بالقتل في كل وقت ، ولو كانوا مثل ذلك الذي أحيا نفسا واحدة احتراما لها ، وقياما بحقوقها ، لامتنع القتل بغير الحق من الأرض ، وعاش الناس متعاونين ، بل اخوانا متحابين متوادين . فالآية تعلمنا ما يجب من وحدة البشر وحرص كل منهم على حياة الجميع ، واتقائه ضرر كل فرد ، لأن انتهاك حرمة الفرد ، انتهاك لحرمة الجميع ، والقيام بحق الفرد من حيث أنه عضو من النوع ، وما قرر له من حقوق المساواة في الشرع ، قيام بحق الجميع . وقد غفل عن هذا المعنى العالي من جعل التشبيه في الآية مشكلا يحتاج إلى التخريج والتأويل . وقد بينا من قبل أن القرآن كثيرا ما يهدينا إلى وحدة الأمة ووجوب تكافلها بمثل اسناد عمل المتقدمين منها إلى المتأخرين ، ووضع اسم الأمة أو ضميرها ، في مقام الحكاية أو الخطاب لبعض افرادها . ومن ذلك ما تقدم في تفسير ( 4 : 28 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ .